Logo

زاد

المراحل الثمان لطالب فهم القرآن

رسالة منهجية للدكتور عصام العويد، ترسم خارطة طريق عملية لطالب تدبر القرآن عبر ثماني مراحل متدرجة، تبدأ من جمع الآثار وفهم المفردات، وتمر بدلالات الحروف والجمل والسياق، وصولاً لفهم مقاصد السور والعمل بالقرآن.

افتح الكتاب
م

المرحلة الأولى: حب القرآن وتعظيمه (وقود الفهم)

**محور المرحلة:** هذه المرحلة هي الأساس القلبي والنفسي الذي يبني عليه الطالب رحلته؛ فلا يمكن الوصول لفهم عميق للقرآن دون محبة صادقة وتعظيم لقائله سبحانه. **أهم المضامين:** 1. **تهيئة المحل (القلب):** القلب هو الوعاء الذي سيتلقى القرآن، وإذا لم يكن هذا الوعاء ممتلئاً بحب الكتاب والشوق إليه، لن يفتح القرآن كنوزه لصاحبه. يركز المؤلف هنا على أن الحب هو المحرك الأول للاستمرار. 2. **استشعار عظمة المتكلم:** من أعظم سبل الفهم أن يستحضر القارئ أن هذا الكلام ليس ككلام البشر، بل هو كلام رب العالمين. كلما عظم القائل في القلب، عظم الكلام، وزادت الرغبة في فهم مراده. 3. **علامات الحب الصادق:** يتطرق الحديث إلى أن لحب القرآن دلالات، منها كثرة الجلوس معه، والأنس بتلاوته، والشعور بالوحشة عند فراقه، وتقديم كلام الله على كل كلام سواه. **الخلاصة:** المرحلة الأولى ليست معرفية بقدر ما هي وجدانية؛ فهي "مرحلة التعبئة الإيمانية" التي تسبق الغوص في المعاني.
1

المرحلة الثانية: القراءة والترتيل (بوابة التدبر)

**محور المرحلة:** تتناول هذه المرحلة العلاقة اللفظية مع القرآن، وكيف تكون التلاوة الصحيحة وسيلة وشرطاً أولياً للفهم الصحيح. **أهم المضامين:** 1. **الترتيل مفتاح الفهم:** القرآن نزل ليرتل (ورتل القرآن ترتيلاً). الترتيل يعني التمهل وإعطاء الحروف حقها، وهذا الهدوء في القراءة هو الذي يمنح العقل فرصة للتفكر في المعاني، بعكس "الهذّ" (السرعة المفرطة) الذي يضيع المعنى. 2. **تحسين الصوت والتغني:** تحسين الصوت بالقرآن ليس مجرد زينة، بل هو معين على رقة القلب واستدعاء الدمع والخشوع، مما يفتح مغاليق النفس لاستقبال المعاني. 3. **ضبط الأداء:** الحرص على القراءة الصحيحة الخالية من اللحن الجلي الذي قد يغير المعنى، فالقراءة السليمة هي القالب الذي يحفظ المعنى السليم. **الخلاصة:** هذه المرحلة تربط بين "اللسان" و"القلب"؛ فاللسان المرتل بتمهل يعطي الفرصة للقلب ليتشرب المعاني.
2

المرحلة الثالثة: استماع القرآن (فن الإنصات)

**محور المرحلة:** التركيز على عبادة "الاستماع" و"الإنصات" كطريق مستقل للفهم يختلف عن القراءة المباشرة. **أهم المضامين:** 1. **الفرق بين السماع والإنصات:** السماع قد يكون عابراً، أما الإنصات فهو ترك كل الشواغل والتوجه بالكلية لسماع كلام الله (فستمعوا له وأنصتوا). الإنصات يورث الرحمة الربانية والفهم العميق. 2. **التلقي من الغير:** كان النبي ﷺ يحب أن يسمع القرآن من غيره (كما في قصته مع ابن مسعود). سماع القرآن من قارئ متقن خاشع يفرغ ذهن المستمع للتفكر في المعاني دون الانشغال بأحكام التجويد أو مخارج الحروف كما يحدث أثناء القراءة الذاتية. 3. **أثر الاستماع في التدبر:** المستمع غالباً ما يكون أقرب للخشوع واستحضار المشاهد القرآنية، لأن طاقته كلها موجهة للتأمل. **الخلاصة:** الاستماع مرحلة سلبية (تلقي) لكنها إيجابية الأثر جداً في بناء التصورات الذهنية للمعاني القرآنية.
3

المرحلة الرابعة: حفظ القرآن (الوعاء الجامع)

**محور المرحلة:** بيان أهمية الحفظ في عملية الفهم، والرد على من يقلل من شأن الحفظ بدعوى الاكتفاء بالفهم. **أهم المضامين:** 1. **الحفظ استحضار دائم:** الحافظ للقرآن يستطيع استدعاء الآيات في كل مواقفه (في الصلاة، في الطريق، في الأزمات). هذا الاستدعاء المتكرر يولد معاني جديدة في كل مرة، ويربط الواقع بالآيات. 2. **تيسير الربط بين الآيات:** من يحفظ القرآن يسهل عليه تفسير القرآن بالقرآن (وهو أعلى مراتب التفسير)، لأنه يستحضر النظائر والآيات المتشابهة في ذهنه، مما يوسع دائرة فهمه. 3. **تكرار العرض على القلب:** الحافظ يكرر الآيات كثيراً لتثبيتها، وهذا التكرار هو "طريقة المفسرين" لاستخراج الدرر، فالمعاني لا تظهر غالباً من القراءة الأولى العابرة. **الخلاصة:** الحفظ ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة عظمى تجعل القرآن حاضراً في الذهن والقلب دائماً، مما يهيئ فرصاً لا تنتهي للتدبر.
4

المرحلة الخامسة: فهم غريب القرآن (مفتاح المغاليق)

**محور المرحلة:** البداية العلمية الفعلية في التفسير، وهي فك شفرات الكلمات الغامضة أو غير المتداولة. **أهم المضامين:** 1. **الكلمة هي اللبنة:** لا يمكن فهم الجملة (الآية) دون فهم مفرداتها. الجهل بكلمة واحدة قد يقلب المعنى رأساً على عقب. 2. **الاستعانة بكتب الغريب:** حث الطالب على اقتناء كتب "غريب القرآن" (مثل كتاب السراج، أو المفردات للراغب) وجعلها رفيقاً دائماً. معرفة المعنى اللغوي الدقيق للكلمة هو الخطوة الأولى للتفسير. 3. **خطورة التفسير بالرأي:** التحذير من تخمين معاني الكلمات بناءً على الاستخدام المعاصر أو العامي، وضرورة الرجوع للمعاجم اللغوية والتفسيرية المعتمدة. **الخلاصة:** هذه المرحلة هي "فك الشفرة اللغوية" للنص القرآني، وبدونها يبقى الفهم ضبابياً أو مغلوطاً.
5

المرحلة السادسة: فهم المعنى العام (التفسير الإجمالي)

**محور المرحلة:** الانتقال من فهم الكلمة المفردة إلى فهم السياق وتركيب الجملة والمعنى المراد من الآية ككل. **أهم المضامين:** 1. **قراءة التفاسير الميسرة:** البدء بالتفاسير التي تعتني بالمعنى الإجمالي (مثل تفسير السعدي أو المختصر في التفسير)، والتي تصوغ معنى الآية في فقرة مترابطة واضحة. 2. **فهم السياق:** ملاحظة سباق الكلام ولحاقه (ما قبل الآية وما بعدها)، لأن السياق يحدد المعنى بدقة ويوجه دلالة الألفاظ. 3. **أسباب النزول:** الاطلاع على أسباب النزول الصحيحة (إن وجدت) لأنها تعين على فهم قصة الآية والحدث الذي عالجته، مما يزيل الإشكال في فهمها. **الخلاصة:** في هذه المرحلة يتكون لدى الطالب "التصور الكامل" لمعنى الآيات، ويخرج من دائرة الغموض إلى دائرة البيان والوضوح.
6

المرحلة السابعة: فهم مقصود السورة (الوحدة الموضوعية)

**محور المرحلة:** الارتقاء لمستوى أعلى من التدبر، وهو النظر للسورة كوحدة بنائية متكاملة لها هدف محدد ومحور تدور حوله. **أهم المضامين:** 1. **المحور الرئيسي (العمود الفقري):** كل سورة لها "مقصود أعظم" أو فكرة مركزية. البحث عن هذا المقصود يساعد في فهم لماذا جاءت هذه القصص، وهذه الأحكام، وهذه التوجيهات في سورة واحدة. 2. **تناسب الآيات:** التفكر في وجه الارتباط بين بداية السورة وخاتمتها، وبين الآيات وبعضها. هذا النظر الكلي يمنح القارئ فهماً عميقاً لترتيب المصحف وحكمة الله في نظمه. 3. **شخصية السورة:** التعامل مع كل سورة على أنها رسالة مستقلة ذات طابع خاص، ومعرفة جوها العام وموضوعاتها الأساسية. **الخلاصة:** هذه مرحلة "النظرة الشمولية" التي تجعل القارئ يمسك بخيط السبحة الذي يجمع حبات الآيات في عقد واحد منظم.
7

المرحلة الثامنة: العيش مع القرآن (التدبر والعمل)

**محور المرحلة:** الغاية النهائية من كل المراحل السابقة، وهي تحويل المعلومات والمفاهيم إلى واقع حي وسلوك ومنهج حياة. **أهم المضامين:** 1. **إسقاط الآيات على الواقع:** ألا يقرأ الآيات وكأنها نزلت لقوم مضوا، بل يقرأها وكأنه هو المخاطب بها الآن. يسأل نفسه: أين أنا من هذه الآية؟ ماذا يريد الله مني هنا؟ 2. **منهج التلقي للعمل:** الاقتداء بالسلف الذين كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. 3. **تزكية النفس:** استخدام القرآن كدواء لأمراض القلوب (الكبر، الحسد، النفاق) وعلاج لمشكلات الحياة. الفهم الحقيقي هو الذي يثمر تغييراً في أخلاق القارئ وسلوكه. **الخلاصة:** هذه هي "مرحلة الثمرة"؛ فكل المراحل السابقة (حب، قراءة، حفظ، فهم لغة، تفسير) هي وسائل خادمة لهذه الغاية العظمى: أن يكون القرآن خلقاً للإنسان.