حدث في رمضان
سفر تاريخي ماتع للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، يروي بأسلوب قصصي أحداثاً عظاماً غيرت مجرى التاريخ وقعت في شهر رمضان، بدءاً من غزوة بدر وفتح مكة، ومروراً بمعارك الأندلس وعين جالوت، وصولاً لفتوحات العثمانيين في أوروبا.
افتح الكتابم
مولد عالم جديد (مصرع أبي جهل في بدر)
**الزمان والمكان:** صبيحة يوم الجمعة 17 من رمضان سنة 2 هـ، في وادي بدر.
**التفاصيل التاريخية:**
يتناول هذا الفصل اللحظة الفارقة في تاريخ البشرية، حيث التقى "القلة المؤمنة" (313 رجلاً) بـ "الكثرة المشركة" (ألف مقاتل). ركز المؤلف بشكل خاص على مشهد **مصرع الطغيان** المتمثل في أبي جهل (عمرو بن هشام).
**أهم المشاهد:**
1. **حماسة الشباب:** يروي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه كان واقفاً في الصف، فنظر عن يمينه وشماله فإذا بغلامين حديثي السن (معاذ ومعوذ ابني عفراء). سأله أحدهما سراً: "يا عم، هل تعرف أبا جهل؟"، فلما سأله عن السبب، قال: "أُخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا".
2. **الانقضاض:** ما إن أشار ابن عوف إلى أبي جهل، حتى انقض الغلامان عليه كالصقرين، فضرباه بسيفيهما حتى أردياه أرضاً، رغم الحراسة المشددة حوله.
3. **النهاية المخزية:** وجد عبد الله بن مسعود (الذي كان مستضعفاً في مكة) أبا جهل يلفظ أنفاسه الأخيرة، فارتقى على صدره. قال له أبو جهل بكبرياء الطغاة وهو يموت: "لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم"، فقطع ابن مسعود رأسه وحمله للنبي ﷺ.
**لماذا سماه "مولد عالم جديد"؟**
- لأن بدر لم تكن مجرد معركة، بل كانت إعلاناً بانتهاء عصر سيطرة الكفر، وولادة دولة الإسلام التي يحسب لها حساب.
- قال النبي ﷺ عن أبي جهل: "هذا فرعون هذه الأمة"، وبموته انكسر عمود الشرك في قريش.
1
فتح مكة (اليوم الذي حُطمت فيه الأصنام)
**الزمان والمكان:** 20 من رمضان سنة 8 هـ، مكة المكرمة.
**التفاصيل التاريخية:**
يصف الفصل الزحف المقدس لجيش المسلمين (10 آلاف مقاتل) الذين أوقدوا عشرة آلاف شعلة نار على مشارف مكة لبث الرعب في قلوب المشركين وحقن الدماء.
**أهم المشاهد:**
1. **دخول الفاتحين:** دخل النبي ﷺ مكة من أعلاها وهو على ناقته، مطأطئاً رأسه تواضعاً لله وخشوعاً، حتى إن لحيته لتمس رحله، وهو يقرأ سورة الفتح، ولم يدخلها دخول الجبارين المنتقمين.
2. **سقوط الأصنام:** اتجه النبي ﷺ فوراً للكعبة، وحولها 360 صنماً (بعدة أيام السنة) كانت تعبد من دون الله. جعل يطعنها بقوس في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، والأصنام تتهاوى واحداً تلو الآخر.
3. **العفو العام:** وقف أهل مكة يترقبون مصيرهم، فقال لهم: "ما تظنون أني فاعل بكم؟"، قالوا: "خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم"، فقال كلمته الخالدة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
**دلالات الحدث:**
- تطهير البيت العتيق من رجس الوثنية للأبد.
- تحول مكة من رأس حربة في محاربة الإسلام إلى قبلة للموحدين.
- اقتران الفتح برمضان ليجتمع شرف الزمان وشرف المكان وشرف الحدث.
2
إسلام وفد ثقيف
**الزمان والمكان:** رمضان سنة 9 هـ، المدينة المنورة.
**التفاصيل التاريخية:**
بعد حصار الطائف وامتناعها، قذف الله الرعب والهداية في قلوب ثقيف، فأرسلوا وفداً للتفاوض على الإسلام، وكان ذلك في شهر رمضان.
**أهم المشاهد:**
1. **المفاوضات الصعبة:** اشترط الوفد شروطاً غريبة، منها: أن يُترك لهم صنمهم "اللات" ثلاث سنين لا يُهدم، وأن يُعفوا من الصلاة.
2. **موقف النبي ﷺ:** رفض بقاء الصنم ولو يوماً واحداً. أما عن الصلاة فقال بحزم: "لا خير في دين لا ركوع فيه" (أو لا صلاة فيه). فقبلوا الإسلام على مضض وقالوا: "سنؤديها وإن كانت دناءة" (بزعمهم).
3. **تحطيم اللات:** أرسل النبي ﷺ المغيرة بن شعبة (وهو من ثقيف) وأبا سفيان لهدم اللات. قام المغيرة بضرب الصنم بالفأس أمام ذهول نساء ثقيف اللاتي خرجن يبكين، حتى سُوّي بالأرض، وعلم القوم أن الصنم لا يضر ولا ينفع.
**الدروس المستفادة:**
- لا مساومة في عقيدة التوحيد (هدم الأصنام) ولا في أركان الإسلام (الصلاة).
- بركة شهر رمضان الذي لان فيه أشد القلوب قسوة (قلوب ثقيف) للإسلام.
3
يوم عمورية (وا إسلاماه)
**الزمان والمكان:** 17 من رمضان سنة 223 هـ، مدينة عمورية (في تركيا حالياً).
**التفاصيل التاريخية:**
قصة النخوة الإسلامية في أبهى صورها. أغار الروم على بلدة "زبطرة" المسلمة، وأسروا النساء، فصرخت امرأة هاشمية: "وا معتصماه!".
**أهم المشاهد:**
1. **الاستجابة الفورية:** بلغ الخبر المعتصم بالله وهو في مجلسه، فصاح: "لبيكِ يا أختاه!". أمر فوراً بتجهيز الجيش، وسأل عن أمنع حصون الروم، فقيل له: "عمورية"، لم يطأها مسلم منذ فجر الإسلام.
2. **تحدي المنجمين:** حذره المنجمون من أن الوقت "نحس" وأن المدينة لن تفتح إلا وقت نضج التين والعنب. ركل المعتصم ترهاتهم وقال: "السيف أصدق أنباءً من الكتب".
3. **الفتح:** حاصرها في رمضان، ودك أسوارها بالمجانيق الضخمة، حتى فتحها عنوة، وخلّص المرأة الأسيرة، وقال لها: "هل أجابك المعتصم؟".
**الأثر الأدبي والتاريخي:**
- خلد الشاعر أبو تمام هذا الفتح بقصيدته البائية الشهيرة: *السَيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ ... في حدهِ الحَدُّ بَيْنَ الجِدِّ واللَّعِبِ*.
- كانت معركة لكرامة المسلم الفرد، أثبتت أن الدولة تحرك جيوشها لإنقاذ امرأة واحدة.
4
معركة عين جالوت
**الزمان والمكان:** الجمعة 25 من رمضان سنة 658 هـ، سهل عين جالوت بفلسطين.
**التفاصيل التاريخية:**
العالم الإسلامي يواجه خطر الفناء التام أمام جحافل المغول (التتار) الذين دمروا بغداد وأسقطوا الخلافة العباسية واجتاحوا الشام.
**أهم المشاهد:**
1. **التعبئة المعنوية:** قيام السلطان سيف الدين قطز بتوحيد المماليك، ودور "سلطان العلماء" العز بن عبد السلام في تحريض الناس، وإصدار فتوى بوجوب بذل الأمراء لأموالهم قبل فرض الضرائب على الشعب.
2. **المعركة:** التقى الجيشان وصام المسلمون ليكون الصوم دافعاً للنصر. كاد جيش المسلمين أن ينكسر في البداية، فألقى قطز خوذته على الأرض وصاح صيحته المشهورة: **"وا إسلاماه! يا الله، انصر عبدك قطز"**.
3. **النتيجة:** نزلت السكينة على الجنود، وحملوا حملة صادقة أدت لإبادة جيش المغول وقتل قائدهم "كتبغا".
**أهمية الحدث:**
- أول هزيمة ساحقة للمغول في تاريخهم، أوقفت زحفهم وحمت مصر وشمال أفريقيا، بل وأوروبا، من وحشيتهم.
- إثبات أن الإيمان والوحدة هما سبيل النصر، حتى لو كان العدو لا يُقهر.
5
تحرير أنطاكية
**الزمان والمكان:** 4 من رمضان سنة 666 هـ، مدينة أنطاكية.
**التفاصيل التاريخية:**
كانت أنطاكية ثاني إمارة أسسها الصليبيون في المشرق، وأمنعها حصانة، وبقيت في أيديهم قرابة 170 عاماً، حتى قيض الله لها السلطان الظاهر بيبرس.
**أهم المشاهد:**
1. **الحصار الشديد:** زحف بيبرس بجيشه في رمضان، وضرب حصاراً خانقاً على المدينة، ومنع الإمدادات عنها من البحر والبر.
2. **الاقتحام:** اقتحم المسلمون الأسوار الشاهقة مكبرين، وسقطت المدينة، وغنم المسلمون غنائم لم يسمع بمثلها لكثرتها.
3. **الرسالة الساخرة:** بعد الفتح، كتب بيبرس رسالة أدبية بليغة إلى أمير أنطاكية "بوهيموند السادس" (الذي كان هارباً وقتها) يصف له تفاصيل ما جرى، جاء فيها: *"لو رأيت خيالتنا وقد أحاطت بأسوارك... ولو رأيت النيران وهي تحرق مساكنك... لتمنيت أن تكون تراباً!"*، وختمها بقوله: *"فإن كتابي هذا ينوب عن مشاهدتك، ويغنيك عن معاينتك"*.
**الدلالة:**
- كان فتح أنطاكية بداية النهاية للوجود الصليبي في بلاد الشام.
- التأكيد على أن رمضان شهر الفتوحات الكبرى واسترداد الحقوق.
6
على ضفاف وادي لكة (فتح الأندلس)
**الزمان والمكان:** 28 من رمضان سنة 92 هـ، وادي لكة (جنوب إسبانيا).
**التفاصيل التاريخية:**
قصة العبور العظيم الذي غيّر وجه التاريخ وأدخل الإسلام إلى أوروبا. طارق بن زياد (القائد البربري المسلم) يقود 12 ألف مقاتل لمواجهة جيش القوط الجرار بقيادة الملك "لوذريق" (رودريك) الذي بلغ عدده 100 ألف فارس.
**أهم المشاهد:**
1. **قرار العبور:** حين وقف طارق على الشاطئ الآخر، وأدرك أن البحر من ورائهم والعدو من أمامهم، خطب في جنده خطبته الشهيرة التي ألهبت الحماس: "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر".
2. **المعركة الفاصلة:** استمر القتال ثمانية أيام متواصلة في خواتيم شهر رمضان. كان المسلمون صائمين نهاراً، قائمين ليلاً، يقاتلون بقلوب لا تعرف اليأس، بينما كان "لوذريق" يقاتل على سرير من العاج مكلل بالذهب.
3. **النصر المبين:** في اليوم الثامن، انهار جيش القوط، واختفى أثر الملك لوذريق (قيل غرق في الوادي بثقل دروعه)، وفتحت أبواب الأندلس للمسلمين.
**دلالات الحدث:**
- بداية حضارة إسلامية في الأندلس أضاءت ظلمات أوروبا لمدة ثمانية قرون.
- الدليل العملي على أن القلة المؤمنة تغلب الكثرة الكافرة بإذن الله، حتى في أرض غريبة وبعيدة.
7
يوم الزلاقة (بلاط الشهداء الثانية)
**الزمان والمكان:** يوم الجمعة 12 من رمضان سنة 479 هـ، سهل الزلاقة (بالبرتغال حالياً).
**التفاصيل التاريخية:**
بعد تفكك الأندلس إلى "ملوك طوائف" وضعفهم، استأسد ملك قشتالة "ألفونسو السادس" وهدد باحتلال قرطبة. هنا استنجد المعتمد بن عباد (أمير إشبيلية) ببطل المغرب يوسف بن تاشفين (أمير المرابطين).
**أهم المشاهد:**
1. **القرار التاريخي:** حين حذّر البعض المعتمد بن عباد من المرابطين، قال كلمته الخالدة التي حفظت كرامة الأمة: **"لأن أرعى الجمال عند ابن تاشفين، خير من أن أرعى الخنازير عند ألفونسو"**.
2. **العبور واللقاء:** عبر ابن تاشفين بجيشه، والتقى الجيشان في رمضان. حاول ألفونسو الخديعة بتحديد يوم للمعركة ثم الهجوم غدراً، لكن يقظة المرابطين أفسدت خطته.
3. **زلزال المعركة:** ثبت المرابطون ثبات الجبال، واستخدموا تكتيكات جديدة (الطبول المرعبة، والجمال التي لم تألفها خيول الإسبان)، حتى أبادوا جيش ألفونسو، ولم ينجُ منه إلا بضع مئات، وسميت "الزلاقة" لكثرة دماء الفريقين التي أزلقت الخيول.
**دلالات الحدث:**
- توحيد الصفوف ونبذ الخلافات هو طوق النجاة الوحيد عند الأزمات.
- هذا النصر مدّد عمر الإسلام في الأندلس أربعة قرون إضافية.
8
معركة شقحب (مرج الصفر)
**الزمان والمكان:** 2 من رمضان سنة 702 هـ، سهل شقحب بالقرب من دمشق.
**التفاصيل التاريخية:**
المعركة الحاسمة التي قضت على أسطورة المغول (التتار) نهائياً بعد محاولتهم غزو الشام مرة أخرى بعد عين جالوت. تميزت هذه المعركة بوجود شيخ الإسلام ابن تيمية في قلب الجيش.
**أهم المشاهد:**
1. **دور العالم الرباني:** كان ابن تيمية يدور على الجنود يثبتهم ويقرأ آيات الجهاد، وحين رأى الخوف في عيونهم، أقسم بالله: "إنكم لمنصورون"، فقالوا: "قل إن شاء الله"، فقال: "أقولها تحقيقاً لا تعليقاً" (أي يقيناً بنصر الله).
2. **فتوى الفطر:** أفتى ابن تيمية الجنود بوجوب الفطر ليتقووا على القتال، وكان يمر بينهم وبيده الخبز يأكل أمامهم ليطيب نفوسهم ويحثهم على الأكل امتثالاً لرخصة الله في الجهاد.
3. **الانتصار الساحق:** دارت رحى معركة طاحنة انتهت بكسر جيش التتار ومطاردتهم، وتطهير بلاد الشام منهم إلى الأبد.
**دلالات الحدث:**
- تلاحم العلماء مع الحكام والجيش (السيف والمصحف) يصنع النصر.
- الفقه الحقيقي هو مراعاة مقاصد الشريعة (حفظ الدين والنفس) بتقديم الفطر عند اللقاء على الصيام.
9
فتح بلغراد
**الزمان والمكان:** 26 من رمضان سنة 927 هـ، مدينة بلغراد (صربيا).
**التفاصيل التاريخية:**
كانت بلغراد تُسمى "بوابة أوروبا الوسطى"، وقد استعصت على السلاطين السابقين (حتى محمد الفاتح لم يفتحها). جاء السلطان الشاب سليمان القانوني وعزم على فتحها لتأمين حدود الدولة العثمانية.
**أهم المشاهد:**
1. **الحصار الرمضاني:** ضرب العثمانيون حصاراً برياً ونهرياً (من نهر الدانوب) على القلعة الحصينة طوال شهر رمضان، وقصفوها بالمدافع الضخمة.
2. **الاقتحام:** في الأيام الأخيرة من الشهر الكريم، ومع تحري ليلة القدر، شنت القوات الانكشارية الهجوم الكاسح، ونجحوا في تسلق الأسوار ورفع الراية العثمانية.
3. **الأذان في القلب:** صدح الأذان لأول مرة من أبراج القلعة في يوم 26 رمضان، وصلى السلطان الجمعة في أكبر كنائسها بعد تحويلها لمسجد.
**دلالات الحدث:**
- ذروة القوة العسكرية للدولة العثمانية.
- ربط الفتح بالعبادة؛ فكان المجاهدون يرون أن أفضل قيام لليل في العشر الأواخر هو الوقوف على الثغور واقتحام الحصون.