كيف يفتح لنا القرآن أبوابه
الحلقة رقم 1
مقدمة: كيف يكون القرآن صالحاً لكل زمان ومكان؟
- الإشكالية المطروحة: مناقشة الشعور السائد لدى البعض بأن القرآن يحكي قصصاً تاريخية بعيدة عن واقعهم المعاصر، والتساؤل حول ما إذا كانت المشكلة في القرآن أم في طريقة قراءتنا له.
- الهدف: البحث عن مفاتيح لفهم القرآن بشكل حي وفاعل، بدلاً من التلاوة المجردة، وكيفية فتح مغاليق القرآن ليعالج قضايا الواقع المعاصر.
- الاستعداد لرمضان: التأكيد على أن شهر رمضان فرصة لتجديد هذه العلاقة وتصحيح مفاهيم "صلاحية القرآن لكل زمان" من شعار إلى تطبيق.
الموجه الأول: القرآن كتاب منهج وليس كتاب معلومات
- الوعي مقابل المعلومات: القرآن لم ينزل لسرد معلومات تاريخية (مثل تفاصيل حياة فرعون أو أسماء جنود المعارك)، بل نزل لتشكيل "وعي" و"منهجية تفكير".
- مثال غزوة الأحزاب: لم يذكر القرآن أعداد الجيوش أو التفاصيل العسكرية، بل ركز على أنماط البشر في الأزمات (المنافق المشكك، المستسلم، المعتذر، والمؤمن الثابت).
- الهدف التربوي: القرآن يعلمك كيف تفكر وكيف تتصرف في الأزمات من خلال بناء وعيك، تماماً كما يعلمك الخبير "الوعي التجاري" وليس فقط تفاصيل صفقة واحدة.
الموجه الثاني: القرآن يعرض نماذج لا شخصيات
- النمذجة (Archetypes): شخصيات مثل (فرعون، قارون، أبو جهل) ليست مجرد شخصيات تاريخية ماتت، بل هي "نماذج" تتكرر صفاتها في كل عصر.
- التطبيق على الذات: بدلاً من قراءة قصة قارون كحدث تاريخي، يجب قراءتها كنموذج لـ "الغرور المالي" الذي قد يصيب أي شخص.
- إسقاط الواقع: النبي صلى الله عليه وسلم وصف أبو جهل بأنه "فرعون هذه الأمة"، مما يعني أن "الفرعونية" سلوك متكرر (طغيان، استكبار) وليست شخصاً واحداً.
- تحذير: العلماء قد يقعون في أخطاء "علماء بني إسرائيل" (تحريف الكلم، الخوف على المناصب)، لذا يجب الحذر من هذه النماذج السلبية.
الموجه الثالث: القرآن يتفاعل مع المتفاعل في واقعه
- شرط التفاعل: القرآن لا يعطيك كنوزه إلا إذا كنت تحمل "هماً" أو "قضية" في الواقع (مثل العدالة، الإصلاح، الأسرة).
- المنافقون كمثال: لن تفهم آيات النفاق في سور (التوبة، الأحزاب، المنافقون) بعمق إلا إذا كنت تواجه النفاق في واقعك وتتفاعل معه.
- التخصص والتدبر: كل شخص يرى في القرآن ما يناسب تخصصه؛ فالكيميائي يرى إعجازاً في آيات الكون، والمصلح الاجتماعي يرى حلولاً للمجتمع. القرآن يتفاعل مع "المشتبك" مع الحياة وليس المنعزل عنها.
الموجه الرابع: غياب اللفظ المعاصر لا يعني غياب المعنى المعاصر
- المصطلحات مقابل المفاهيم: لا يجب البحث عن مصطلحات حديثة (مثل: ديمقراطية، ديكتاتورية) بلفظها في القرآن، بل البحث عن "المفاهيم" و"القيم" التي تمثلها.
- مثال السلطة: القرآن ناقش "الطغيان" و"الاستكبار" و"الملأ"، وهي المفاهيم التي تشرح فساد السلطة، حتى لو لم يستخدم المصطلحات السياسية الغربية الحديثة.
- الإرادة الحرة: الله أعطى الإنسان حرية الاختيار لأن "الإيمان القسري" لا يبني حضارة ولا يحقق عدالة؛ فالله يريد إيماناً واعياً نابعاً من قناعة.
تلخيص القواعد الأربع لتفعيل القرآن
- تم ذكر القواعد الأربع أعلاه (القرآن كتاب وعي، يعرض نماذج، يتفاعل مع الواقع، العبرة بالمفاهيم لا المصطلحات) كأركان أساسية لإحياء العلاقة مع الكتاب.
الموجه الأول لفهم القرآن: ترك المنهج الاقتسامي (التجزئة)
- خطورة التجزئة: التحذير من أخذ آية واحدة وفصلها عن سياقها (مثل آيات القتال أو المرأة) دون النظر للقرآن ككل متكامل.
- السياق الكلي: يجب فهم الآية في ضوء "موضوع السورة"؛ فسورة البقرة محورها "الإيمان والتسليم"، وسورة الحجرات محورها "الأدب والعلاقات الاجتماعية".
الموجه الثاني لفهم القرآن: الانتباه لأسماء سور القرآن وموضوعاتها
- وحدة الموضوع: اسم السورة غالباً ما يكون مفتاحاً لفهم الآيات بداخلها.
- سورة الحجرات: تركز على بناء المجتمع المسلم (التثبت من الأخبار، الإصلاح بين الأخوين، تجنب الغيبة)، فكل آية تخدم هذا الهدف.
- سورة الرعد: تركز على قوة الحق وقدرة الله، فالآيات فيها تخدم هذا المعنى.
العائق الأول لفهم القرآن: عدم الثقة بالمنزل والمُنزَل
- أزمة الثقة المعرفية: المسلمون يمتلكون "القرآن" لكنهم يبحثون عن حلول لمشاكلهم النفسية والاجتماعية في الفلسفات الغربية فقط.
- النموذج المعرفي: القرآن يقدم رؤية متكاملة للنفس والمجتمع والسياسة، لكننا لا نبذل الجهد الكافي لاستخراجها كما نبذل الجهد في دراسة الكتب الأكاديمية.
- الفرق عن الفلسفة: الفلسفة تخاطب العقل المجرد، بينما القرآن يربط المعرفة بـ "حركة النفس" و"تزكيتها"، مما يجعله أكثر فاعلية في التغيير.
العائق الثاني لفهم القرآن: الكسل
- الكسل الفكري: الرغبة في الحصول على المعلومة جاهزة وسريعة دون بذل جهد في التدبر والبحث والمقارنة.
- الجدية المطلوبة: فهم القرآن يتطلب "مجاهدة" وصبر، ومقارنة الآيات ببعضها، والرجوع لأقوال العلماء، وليس مجرد قراءة عابرة.
العائق الثالث لفهم القرآن: عدم الصدق مع القرآن
- الإخلاص شرط الفهم: "القرآن لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك". من يدخل للقرآن ليبحث عن تبرير لأهوائه سيُحرم من بركته وهدايته.
- فتح المغاليق: الله يفتح أبواب الفهم لمن يرى في قلبه صدقاً ورغبة حقيقية في الهداية.
كيف نُقبل على رمضان؟
- نصائح عملية:
- عدم التركيز فقط على "ختم القرآن" كعدد صفحات.
- تخصيص ورد يومي للتدبر (ولو آيات قليلة) ومحاولة فهم غريب الكلمات.
- ربط الآيات بالواقع الشخصي ومحاولة العمل بها فوراً.
كيف استطاعوا العبث بالقرآن؟ وتدبر القرآن هو صمام أمان الأمة
- التلاعب بالنصوص: غياب التدبر سمح للمتطرفين والمحرفين بالتلاعب بمعاني القرآن وتوجيه الناس توجيهاً خاطئاً.
- التدبر للجميع: التدبر ليس حكراً على العلماء فقط؛ كل مسلم مطالب بالتدبر في حدود فهمه ولغته، وهذا هو "صمام الأمان" الذي يحمي وعي الأمة من الاختراق.
- دور العلماء: العلماء وظيفتهم "التقييم" و"الضبط" وحماية الثوابت، لكن "التدبر" واستخراج المعاني الإيمانية متاح لكل قلب حي.
- تفسير القرآن بالقرآن: هو أعلى مراتب التفسير (كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم)، حيث تشرح الآيات بعضها بعضاً وتزيل الإشكال.