ما الفرق بين العلم عند المسلمين والعلم عند غيرهم؟ سهم: بودكاست سياق 1
الحلقة رقم 1
مقدمة: السياقات التاريخية للعلوم الإسلامية وأسباب التخلف
- شمولية العلوم الإسلامية: لا تنحصر العلوم الشرعية في معرفة الحلال والحرام فقط أو القراءة الصحيحة، بل امتدت لتشكل وتؤثر في الحضارة، الاقتصاد، السياسة، والأحوال الشخصية عبر العصور.
- خرافة "عصر الحواشي": تفنيد الادعاء بأن تأليف "الحواشي والشروح" هو سبب تخلف العالم الإسلامي. السقوط الفعلي بدأ لأسباب أخرى (مثل منع الدولة العثمانية للطباعة لقرون خوفاً من التداعيات السياسية والاجتماعية)، بينما عصور الموسوعات الكبرى (القرن الخامس والسادس والسابع) شهدت ذروة التأليف والنبوغ العقلي (كالإمام الرازي، الغزالي، والنووي).
- الديناميكية المذهبية: مرت المذاهب الفقهية بمراحل من التسامح التام، ثم التعصب والاحتراب (مثل فتنة الشافعية والحنابلة في بغداد)، ثم عادت لحالة من التقبل والاستقرار في عصور لاحقة، مما يدل على أن التاريخ الإسلامي ليس خطاً مستقيماً من الانحدار.
ماهية العلم.. لغةً واصطلاحاً
- تعريف العلم: هو "الاعتقاد الجازم المطابق للواقع". يجب أن يكون الاعتقاد يقينياً (لا شك فيه)، ومطابقاً للحقيقة (فاعتقاد الهندوسي بآلهته جازم لكنه غير مطابق للواقع فلا يُسمى علماً).
- إطلاقات العلم: يُطلق العلم على ثلاثة أشياء:
- المعلومات المدونة في الكتب.
- المعلومات المجردة في الذهن.
- الملكة أو المهارة: وهي القدرة والفراسة التي تتكون لدى العالم من كثرة الممارسة، وبها يُحكم على أهلية المفتي.
مراتب الثبوت المعرفي.. بين اليقين والظن
- القطع (اليقين): المعرفة بنسبة 100%، مثل المتواتر من القرآن والسنة، أو البديهيات العقلية.
- الظن (غلبة الظن): يتراوح بين 51% إلى 99%. معظم الأحكام الفقهية والعملية (وحتى أحاديث الآحاد) مبنية على غلبة الظن، والمسلم متعبد بالعمل بالظن الراجح في فروع الدين، لكن في "العقائد وصفات الله" لا يُقبل إلا القطع.
- الشك والوهم والجهل: الشك (تساوي الطرفين 50%)، الوهم (الاعتقاد المرجوح)، والجهل (البسيط: عدم المعرفة، والمركب: عدم المعرفة مع الجهل بعدم المعرفة).
العلم من حيث الواسطة (الحصولي والحضوري)
- العلم الحصولي: هو علم البشر الذي يُكتسب بالوسائط (القراءة، التلقي من الشيوخ، حفظ النصوص، والتجارب).
- العلم الحضوري: هو العلم المباشر بغير أسباب أو وسائط معتادة، كعلوم الأنبياء التي تلقوها بالوحي المباشر من الله، وهو أعلى شأناً.
مصادر المعرفة الثلاثة عند المسلمين
ضرب البودكاست مثالاً رائعاً بـ "الرجل الذي يمر أمام الخيمة" لشرح مصادر المعرفة:
- الحس (التجربة): (رؤية الرجل مباشرة). يعتمد على الحواس الخمس والتكرار، وتنشأ عنه "الأحكام العادية".
- العقل: (رؤية آثار الأقدام والاستنتاج). لا يُقصد به "العقل الشخصي أو الهوى"، بل "المبادئ البديهية القطعية" (مثل 1+1=2). أحكام العقل ثلاثة:
- الوجوب: كوجود الله القادر الخالق.
- الاستحالة: كوجود إلهين للكون (برهان التمانع).
- الإمكان: كوجود المخلوقات.
- ملاحظة: يمكن إثبات وجود الله وصفاته (عالم، قادر، مريد) بالعقل المحض قبل اللجوء للوحي، وهذا أساس محاججة غير المسلمين.
- الخبر الصادق: (إخبار الناس لك بمرور الرجل). كالوحي المتواتر (القرآن والسنة) والأخبار التاريخية الموثوقة.
المعجزات والمنامات والكشف
- المعجزات خرق للعقل أم للعادة؟ المعجزة (كعدم إحراق النار لإبراهيم عليه السلام) ليست مستحيلة "عقلياً"، بل هي مستحيلة "عادياً" (حسب التجربة والتكرار). العقل يجوّز أن تُسلب النار خاصية الإحراق، وبالتالي لا يوجد تعارض بين العلم والعقل وبين الإيمان بالمعجزات.
- المنامات والكشف: معترف بها كمصادر معرفية "شخصية" وذوقية (كما حدث مع الأنبياء أو حتى في منامات غير المسلمين كفرعون وهتلر)، لكنها لا ترقى أبداً لمرتبة اليقين المشرّع، ولا يجوز أن تنقض حكماً شرعياً ثابتاً.
نظرية المعرفة عند غير المسلمين (المقارنة)
- المثاليون (كأفلاطون): بالغوا في تقديس العقل والأفكار المجردة، واعتبروا أن الحواس خادعة والواقع مجرد ظلال. (اقترب منهم المعتزلة في الإسلام حين أدخلوا العقل للحكم في الغيبيات كمسألة رؤية الله يوم القيامة).
- الماديون / التجريبيون (الإلحاد المعاصر): ألغوا الخبر (الوحي) والعقل المجرد، واعتمدوا كلياً على الحس والتجربة (Science) كمصدر وحيد للحقيقة.
- السفسطائيون: أنكروا وجود الحقائق من الأساس، أو أنكروا قدرة الإنسان على الوصول لأي معرفة يقينية.